Back to results
Cover image for book ادم اسود و حواء بيضاء

ادم اسود و حواء بيضاء

By:عمر فضل الله
Publisher:Ktab Inc.
Print ISBN:10658KTAB
eText ISBN:10658KTAB
Edition:1
Format:Reflowable

eBook Features

Instant Access

Purchase and read your book immediately

Read Offline

Access your eTextbook anytime and anywhere

Study Tools

Built-in study tools like highlights and more

Read Aloud

Listen and follow along as Bookshelf reads to you

كانا في البدء مُجَرَّدَ غُرابين أسودين، من أَغْرِبَةِ التَّايِمْز يجتمعان على موعد كل ليلة فوق قمة برج لندن قبل أن يقررا الانتقال فجأة إلى جسر لندن القديم، المغموسة أقدامه في النَّهْر، فيتبادلان النجوى همساً، لئلا تسمعهما تيارات الماء الرقيقة المنسربة خلسة في سكون الليل فتضطرب وتنبه الموج فيذيع سرهما ويكشف سترهما. لم يكونا يدركان أن ذلك الجِسْر القديم لا يعنيه هذان الغرابان في شيء بقدر حرصه أن تمر المياه تحته بسلام وتمضي لشأنها في صقيع الشتاء، متلفعة بحلة شفافة من الضباب تخبئها من ظلمة الليل ورهبته وغموضه، وتمنح الجِسْر لحظات من السكينة والسكون بعد يومٍ صاخبٍ من أصوات المارة وصَخبهم وصهيل الخيل وضُبَاحِها ووقع حوافرها الصلبة فوق أرضه. كانت مياه النَّهْر تسترق السمع خلسة لتشارك هذين العاشقين نجواهما وهي تمر من تحت الجِسْر. ولم يكن الغرابان يعرفان أن النَّهْر بالأمس ليس هو النَّهْر اليوم ولن يكون هو نفسه غداً. إنه يتجدد كل ساعة، فتلك المياه التي تجري تحت الجِسْر سرعان ما تولي ولا تعود أبداً ولا يلبث أن يأتي غيرها طارقاً غريباً. ولذا فليبوحا بنجواهما سراً في الظلام، أوفليجأرا بها علانية دون خوف أو وجل. فالأمواج المتجددة ستضحك فرحة أن شاركت هذين المحبين لحظة المناجاة والبوح. وستتراقص سكرى في دلال وغنج، وتلثم الشاطيء المرة بعد المرة، وتتسكع عند أعمدة الجِسْر لتكسب أكبر قدر من الوقت وهي ترهف السمع لتتزود من دفء هذا الحب المنبعث من أعلى الجِسْر، قبل أن تحمله معها خبراً تزفه للحيتان العاشقة في أعماق البحر، فتردده تلك أغنية حب يحملها الماء لإناثها كل ليلة تحت ضوء القمر.